الرئيسية » رصاص خشن » عندما عملتُ طَبيباً بتفويضٍ مِنَ المريض!

عندما عملتُ طَبيباً بتفويضٍ مِنَ المريض!

قِصّةٌ حقيقيَّة! بدون إسقاط سياسي إنْ أمكن.

في شتاء العام 2010 اتصل بي صديقٌ يؤدّي خدمته الإلزامية في حمص، وطلب مني الحضور إلى مستشفى الوعر العسكري لأنّه سيجري عملية نزع المرارة صباح اليوم التالي ولا يريد أن يُقلق أهله.

وصلتُ إليه بعد ظهر اليوم التالي وقد خرج للتَّوِّ من غرفة العمليات، كان وادعاً آمناً بالكاد يشكو من ألمٍ أو تمساحاً! ومع غياب الشمس وسْوَستْ لي نفسي بالنوم على السرير الثاني في الغرفة، وقبل أنْ تقرّ عيني دخل المُستخدَمون في المستشفى يجرون سريراً عليه عسكريّ أجرى للتَّوِّ عمليةً إسعافيةً لاستئصال المرارة أو الزائدة -ما يشي أن هناك أمراً يفقع المرارة في تلك البقعة من الحياة!- ولم يكن معه مرافق.

أخذ المريض الجديد سريره الذي كان سريري! وجلستُ أنا على الكرسي، كلّما غلبني النوم أيقظني أنين المريض الجديد الخفيف البطيء الطويل “آآآآآآآآه يا يُمّى”. كان شابّاً أسمرَ مربوعاً تستطيع تمييز سحنةِ المنطقة الشرقية في تقاطيع وجهه بسهولة، ثم تؤكّد لهجته فراستك.

أجرتْ الممرضات جولتَهُنَّ الأخيرةَ واختفين، وكان صاحبي نائماً وكأنّه لم يستيقظ من التخدير بعد، وأمّا الشاب الآخر فكان يتصاعد أنينُه حتى تحوّل إلى عويلٍ لا يقطعه غير التوسّل وهو نصف واعٍ: مشان الله يا ضكتور! بي وجع، بي وجع! رايح أموت، مشان الله يا ضكتور!

اقتربتُ منه وقلت له بما أوتيت من سذاجة: أنا مو دكتور!

وكان من أغبى التصريحات التي أدليتُ بها في حياتي! رمقني بنظرةِ اتهام، ورفع صوته أكثر متجاهلاً المعلومة التي قدَّمتها له أنيّ لستُ طبيباً: مشان الله يا ضكتور! عَطْني إبرة، عَطْني دِوا، راح آموت آني؟! آآآه يا محمود.

خرجتُ أبحث عن مساعدة، لكنَّ المشفى كانت ساكنةً لا صوت فيها سوى الأنين المكتوم من هذه الغرفة أو تلك، ويبدو أن كلّ المرضى قد حصلوا على جرعةِ المسكّن الخاصة بهم إلّا المسكين الذي وصل متأخّراً، ونامت عنه الممرضات وهو لم يفقْ بعد من البنج كما يجب.

عدتُ إليه وأخبرته أنني لم أستطع إيجاد أحد من الأطباء أو الممرضين، لكنّه رمقني بنظرةِ اتهامٍ أشدّ من الأولى، ولو كان بكامل قوّته ربما لكمني على وجهي! رفع صوته أكثر: مشان الله يا ضكتور أحبّ على إيدك راح أموت، عطْني إبره عطْني دِوا! (مُستفهماً) راح أموت آني يا ضكتور؟!

شعرتُ أن التنصُّل من “الدَّكْتَرَة” لن ينفع، ذهبتُ إلى غرفة الممرضات وطرقتُ الباب حتى كلَّ متني، فتحتْ لي الممرضة الباب وقد أقلقتُ منامها، كان شعرها منكوشاً وقلبها منكوشاً وأحلامها منكوشةً وصوتها منكوش! سألتني: شو حالك!! شو حالك!

قلت لها: ما حالي شي، بس الزلمة عم يولول من ساعة ومفكرني الدكتور! يا ريت لو في مسكّن أو مخدّر أو أي شي يهدّه أو يهدّيه!

بدأتْ تسأل عن حالة المريض عندما فاجأتها أنني لا أعرفه -وتفاجأتُ معها للحظة- وإنّما أنا مرافقٌ للتمساح النائم! كانت امرأةً أربعينيةً طيبةً، جذّابةً وليست جميلة، لم يعرف المكياج طريقه إلى وجهها يوماً على ما يبدو، وبدت على أصابعها علامات سكين المطبخ ربما من تجريح الزيتون الذي كان في آخر موسمه، تعاطفتْ بسرعة! وكأن من طرق عليها الباب متسولٌ يطلب سندويشة مكدوس! لم يستطع تعاطفها أن يُسرِّح شعرها! لكنّه على الأقّل سرّح نبرة صوتها.

دخلتْ إلى الغرفة وأخرجتْ معها سرينج وأمبول كسرتْ رأسه بخفّةٍ وهي تكافح لتحتفظ بما تقدر عليه من النوم تحت جفنيها، ومصَّتْ السائل بالإبرة ببطءٍ حتى جفّفت قلب الأمبول وقلبي، ثم أعطتني الحقنة وقالت: بتعطيه إياها انت! (ولم تنتظر جواباً) شفت الكيس المعلق تبع السيروم، حطله هي فيا، بس من فوق ها مكان الفاضي ما تحطا بمكان المِليان! وما تلعب فيا! يالله معافية، سلامته، وشكراً. (واختفتْ).

رجعتُ إلى الغرفة ووقفتُ فوق رأسه وهو يأنّ مصمّماً على مناداتي “ضكتور”، سرّبتُ الدواء داخل الكيس الموصول إلى وريده، وأغرتني القطّارة لكني التزمت الوصيّة ولم أعبث بها! وفي هذه الأثناء نظر إليّ نظرةَ الاتهام مضاعفةً لكن ممزوجةً بامتنان، وكأنه يقول: لماذا تنكر أنّك دكتور! واللهِ أنت دكتور وسيد الدكاترة كمان، والله المشفى قليل عليك لازم تكون رئيس أطباء العالم!

بمجرد أن تسرّب المحلول المخلوط بالمسكّن المسمّى أيضاً قاتل الألم -وهو القاتل الوحيد الجدير بالاحترام- دخل الشاب في نوبةٍ مختلفةٍ من الأنين: يكثّر خيرك يا ضكتور، رحت أموت يا ضكتور، يسلّم ايدك يا ضكتور، آآآخ يا محمود، سلامتك يا محمود.

وكل عشرة دقائق يناديني: ضكتور افحصني… ضكتور شوفني… ضكتور صُرت أحسن!؟

وصرتُ أقوم إليه كلّما ناداني، أنظر بعنايةٍ إلى كيس المحلول، وأمسك يدّه المتجمّدة من أثر التخدير كأني أجسّ النبض، وأخبره: لا تمام وين كنا ووين صرنا ما شاء الله، نبضك ممتاز، تنفسك فوق الرائع، ترى الشفا مبين على عيونك! لازم من زمان عملت العملية!

ولم ينمْ أو يهدأ حتى شروق الشمس، فيما كان صاحبي الذي جئتُ من أجله ينام بشكلٍ مثيرٍ للشكِّ والريبة، حتى اضطررت لوضع يدي تحت أنفه لأتأكّد أنه حيّ!

بدأتْ جولة الأطباء الصباحية حوالي الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وعلى رأسها طبيبةٌ جميلةٌ صغيرةٌ في السنِّ والواضح أنها لم تجرّب تجريح الزيتون في حياتها، فحصتْ الشاب وسألته: كيف حاسس حالك يا محمود؟

أجابها بكلّ ثقة: والله الضكتور كثَّر الله خيره فحصني وقال اني زين، دكتورة لو بي دِوا عطيني الوجع بلش يرجع. (وأنا في سرّي أقول: خلف الله عليك يا محمود!)

صاحبي الذي جئتُ من أجله -وكان من دير الزور أيضاً- أفقدَ الطبيبة صوابها! كان شخصيّةً مستفزّةً بطبيعته وما زال، يحبُّ استفزاز الآخرين إلى أقصى حدٍّ ممكن، والفرجة عليهم، وبمجرد أنْ حاولتْ الطبيبة نزع اللاصق عن خاصرته لتسحب أنبوب المفجّر، اصطنع صرخة ألم! فتعجّبتْ لأنها لم تفعل شيئاً بعد، وكان مكان اللاصق محلوقاً لا شعرَ فيه، فبدأ يشرح لها عن شفرة الحلاقة التي تبادلها عددٌ من العساكر في حمامات المشفى وحلقوا جميعاً بنفس الشفرة! وكادتْ تسقط مغشياً عليها من زناخته وهو يضحك بشدّة في سرّهِ، وصرخ كذباً كلّ ما لمسته!

التنبيه الوحيد أن عليه الابتعاد عن الطعام الثقيل لأسبوع على الأقل، والابتعاد عن الدسم دائماً، وبمجرد خروجنا من المستشفى في ظهر ذلك اليوم، دعاني لتناول الشاورما وحلاوة الجبن أو الكنافة النابلسية!!

إلى هذا اليوم ما زلتُ أستدعي صورة الشاب المربوع لأتذكّر إن كانت الزائدة والمرارة على الجنب الأيمن أم الأيسر من جسم الإنسان، أتخيل الطبيبة وهي تسحب المفجّر من خاصرته وهو يصيح “لا لا لا، ليش ليش، لا لا، سلامتك يا محموووود سلامتك” لأعرف مكان الخاصرة التي يجب أن تؤلم الإنسان إذا كانت علَّتُه الزائدة أو المرارة.

ومنذ تلك الأيام وأنا أحاول كلّ يومٍ إقناع نفسي أنني لست طبيباً! يباغتني صوته “يا ضكتور” وأنا أقول لنفسي: تذكر انت مو دكتور، انت مو دكتور، هو مريض، بس انت مو دكتور!! ولو جلستُ معه في تلك الغرفة يوماً آخر لما استطعتُ التخلّص من شعور الطبيب في نفسي!

تم ارتكابها لأول مرة في الإسكندرية – فبراير 2025

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن عامر العبود

عامر العبود

شاهد أيضاً

انشقاقُ القمر

مع أذانِ المغربْ، يُطفئُ آدمُ صيامَهُ بثلاثِ حباتٍ من التمرِ، يلوكها في فمِه، يتبعها خريرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *